الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

350

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

تفلحون 62 : 10 ( 1 ) . وأما أمرهم بإكثار ذكره كمّا وكيفا كما تقدم ، لئلا يلهيهم شيء عن معرفة اللَّه وعبوديته ، ولا تكون همهم مصروفة عن الترقي إلى عالم الربوبية ، ونفوسهم منغمرة في طلب الأغراض الحيوانية إذ من المعلوم بالضرورة أن الفلاح والخلاص عن النشأة السافلة الدنيوية ، وفوزهم بالسعادات الأبدية إنما هو بالارتقاء من النشأة السافلة الدنيوية إلى النشأة العالية الأخروية ، ولقد أثابهم اللَّه على الذكر ووعدهم عليه الألطاف العظيمة . كما في المحكي عن عدة الداعي عن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله أنه قال : " من ذكر اللَّه في السوق مخلصا عند غفلة الناس وشغلهم بما فيه ، كتب اللَّه له ألف حسنة ، ويغفر له يوم القيامة مغفرة لم تخطر على قلب بشر " . كيف لا وقد علمت أن إدمان ذكر شيء يوجب وصاله ، فإدمان ذكره سبب للوصال إلى لقاء جمال الحضرة الربوبية جلت عظمته تعالى ، ولذا قيل : إن العبادة باعثة للمحبة والمحبة باعثة للرؤية . ومعلوم أن حقيقة الذكر ما يكون للمحبوب ، أي أن الذكر الحقيقي إنما يكون بالمحبة ، ومن علامة المحبة ذكر المحبوب ، ومن أحبّ شيئا أكثر ذكره . ثم إن حقيقة الذكر هو الذكر القلبي عن محبة ، فإنّ حقيقة الإنسان هو روحه وباطنه وسرّه لا بدنه وهيكله المحسوس ، فالذكر الحقيقي منه ما يقع من لسان قلبه وإحضاره واخطاره صورة المذكور في باله . ولذا قال تعالى كما في الحديث القدسي المتقدم : " أنا جليس من ذكرني " . ومعلوم أنه تعالى أجل وأرفع من أن يكون جليس البدن حاضرا عنده ، ولكن مع تجرده وتقدسه مما يخطر في قلب العارف ويقع عليه نوره ، وهذا النحو من

--> ( 1 ) الجمعة : 10 . .